عبد الملك الجويني

593

نهاية المطلب في دراية المذهب

جهة أن القِرْنَ قد يتقي ، فتخطئه الضربة ، وتمَسُّ الحاجة إلى أخرى ، وقد لا تؤثر الضربات لمكان الدروع وغيرها من الملابس الواقية ، فالحكم بأن الغالب أن تُريح ( 1 ) الضربة والضربات غير ظاهر ، وكلام الصيدلاني مصرّح في فحواه ، بأن الحاجة إذا مست إلى ترديد الضربة في مضروب واحد ، لم تبطل الصلاة ؛ فإنه قال لما ذكر هذه المسألة : المعتبر في ذلك كله الحاجة . ولا وجه عندي إلا هذا . 1544 - والقول القريب فيه أنا حكينا قولاً في كتاب الطهارة : أن من صلى كما أمرناه وإن كانت صلاته مُختلّة بسبب عُذر نادر لا يدوم ، فلا قضاء عليه ، وهذا مذهب المزني ، فينبغي أن يُتَّخذ هذا أصلاً ، ويُرتّب عليه جريان الضربات في مضروب واحد ، وهو أولى بإسقاط القضاء ؛ لما أشرت إليه . فأما الأفعال التي لا حاجة إليها ، فلا شك أنها إذا كثرت أبطلت . ومما يليق بتحقيق القول في ذلك أن المصلي لو لم يمر به قِرْن ، ولكن كان يقتضي ترتيبُ القتال أن يُقصِد وإن لم يُقصَد ( 2 ) ، فهذا أراه من الأفعال الضرورية ؛ فإن من لا يُقْصِد في القتال يُهْتَضم ويُتعسّى ( 3 ) في التفاف الصفوف ، وهذا واضح إن شاء الله . فهذا ترتيب القول في الأفعال إذا كثرت أو قلت . 1545 - فأما القول في تلطخ السلاح بالدم أو تضمخ المصلي نفسِه ، فالذي ذكره الأئمة أنه إذا تلطخ السيفُ بالدم ، فإن نحاه على القرب بأن يلقيه ، أو يردّه في قرب من زمان الإلقاء إلى قرابه تحت ركابه ، فهذا لا يضر ، وإن أمسكه ولم يفارقْه ، بطلت صلاته . وهذا عندي فيه نظر ؛ فإنَّ تلطخ السلاح بالدم والطعن على الوِلاء في شدة

--> ( 1 ) في النسخ الأربع ، بدون إعجام ، وهذا الذي اخترناه هو الصواب - إن شاء الله - وهو موافق لأسلوب إمام الحرمين ، وبيانه العالي ، فأراح فلانٌ : مات ، وأراح فلاناً : أدخله في الراحة . ومن مأثور العرب : أراح فأراح : أي مات فاستريح منه ( الأساس ، والمعجم ) . ( 2 ) لعلها من أقصد فلاناًَ إذا طعنه ، فلم يخطئ مقاتله . ( معجم ) فيكون المعنى : أن يبادر بالطعن بطعن القِرْن ، وإن لم يطعنه . ( 3 ) كذا في النسخ الثلاث ، والمعنى إذاً : يُطْلب : من تعسَّى صاحبه طلبه . وفي ( ل ) : يتغشى .